في النهاية لم يكن كل شيء في رأسي فقط
بقلم إليسا بياجيني
November 28, 2025


الصورة اهداء من أيمن نحلة

منذ عام ولادتي، ٢٠٠٥، وحتى قبله، ولبنان يعيش على وقع عنف واسع، من اضطرابات داخلية إلى نزاعات مسلحة دولية؛ لقد مرّ بالكثير من الحروب. حتى وإن لم أعشها كلها، فقد رأيت صورًا، وسمعت وقرأت الكثير من القصص عن تلك الأيام، وعن أثرها في اللبنانيين بمختلف أعمارهم، وفي طريقة تصرفهم اليوم أو نظرتهم إلى أي حرب أو حتى فكرة صراع. هذه الأشكال من العنف بدأت حتى قبل عام ١٩٧٥، وأكدت دراسات عدة أنه منذ استقلال لبنان عام ١٩٤٣، كان هناك على الأقل أزمتان كبيرتان هزّتا البلاد وأثرتا في شعبها وحكومتها وكل شيء آخر.

ما يميزني أنني شديدة التعاطف. كلما كنتُ مع الناس وسمعت روايات مختلفة عن قصصهم وما مرّوا به في تلك الأوقات الصعبة، كنت أضع نفسي مكانهم، كما أفعل حين أقرأ كتابًا. أحببت أن أعيش التجربة إلى حدِّها الأقصى. لكن هذه المرة، التجربة كانت مخيفة جدًا، لدرجة راودتني كوابيس عنها.

أتذكر قصص أمي بين عامَي ١٩٧٥ و١٩٨٩. كانت تجري دائمًا إلى غرفة الجلوس وتصرخ: «قنبلة!» كلما سمعت صوتًا. كانت في الثالثة أو الرابعة من عمرها فقط، تعيش في بيروت. لا أستطيع أن أتخيل ما يمكن أن يشعر به طفل حين يمرّ بمثل هذا الأمر. هناك أيضًا قصة هروبها من المدرسة مع أختها الصغيرة، خالتي، بعد أن طلبوا من الجميع المغادرة فجأة لأن الوضع بات خطيرًا جدًا. لا أستطيع حتى أن أتصور كيف يمكن لإنسان صغير أن يعيش مثل هذه اللحظات المأسوية. لكنني متأكدة أنَّ هذا من الأسباب الرئيسية التي جعلت منها امرأة قوية تعتمد دائمًا على نفسها. لقد بنت ذاتها الخاصة، وهذه صورة لها لا يمكن أن أغيرها أبدًا. من المؤسف أنها وأبناء جيلها اضطروا لاختبار أمر مماثل في طفولتهم. لا أحد يستحق ذلك، ولا أحد يستحق أن يعيش هذا الكم من الحروب في فترة زمنية قصيرة جدًا.

حتى لبنان نفسه لم يكن يستحق هذا. لم يكن يستحق أن يُعامَل هكذا، كملعب كبير تتصارع فيه الدول، كل طرف يريد أن يكون له دور فيه من دون أي استئذان. دائمًا كان الأمر كذلك، ولبنان وشعبه دفعا الثمن. رغم جماله الذي لا يوصف ومكانته الفريدة، فإن موقعه الجيوسياسي على الخريطة كان واحدًا من أهم أسباب ما مرّ به وما يمرّ به حتى اليوم.

رُويت لي الكثير من القصص عن الحرب المروعة التي وقعت في العام التالي لولادتي، من تموز حتى آب ٢٠٠٦. قصفٌ في كل مكان بلا إنذار. الخوف كان كليًّا بين الناس لأن أحدًا لم يكن يعرف أين سيكون الهدف التالي. وكأن كل عظمة في جسدي شعرت هذا الإحساس وعاشته بسبب حساسيتي وتعاطفي. وعندما تكرر الأمر مؤخرًا، لم يكن مرعبًا فحسب، بل بدا لي كأنني عشته من قبل، كأنها لقطات متكررة، مُستعادة ومُعاشة سابقًا. وهذه من أكثر الحقائق رعبًا في مسألة الإحساس المفرط: كيف يمكن أن يفسر أحد مثل هذا الشعور؟

الحرب الأخيرة، التي جاءت بذريعة «الإسناد» لحرب غزة، أودت بحياة آلاف اللبنانيين، فقط لأن هذا كان مهمة المطلوب تنفيذها ضمن أجندة سياسية لدول خارج لبنان. في منتصف أيلول ٢٠٢٤، عندما هددت الدولة المعتدية بقصف الضاحية في بيروت، جعلونا نغادر الجامعة مبكرًا، لأن جامعتي قريبة جدًا من المنطقة المستهدفة. شعرت أنَّ شيئًا خطيرًا يحدث وأن الوضع يتصاعد فعلًا. لم أرد أن أصدق أيًا من ذلك. كنتُ أفكر أنَّ الأمر مجرد تخويف، أردتُ إقناع نفسي بذلك، لكن في داخلي كنت أشعر برغبة في تكسير شيء، الكثير من الأشياء. لم أستطع تقبّل فكرة أنه، بعد كل التقدم الذي حققته البشرية، ما زالت هذه الأشياء، أعني الحروب، تحدث مجددًا. أعرف أن الحروب جزء من العلاقات الدولية، لكن لم أتوقع أن أعيش واحدة فعلًا. أفلام الرعب خرجت إلى الحياة. حتى وأنا لا أعيش بجوار أماكن القصف مباشرة، كنت أشعر بكل قنبلة، بكل اهتزاز للأرض. كنت أفكر باستمرار بالناس الذين اضطروا لمغادرة منازلهم فجأة، بالذين رأوا مبانيهم تظهر في رسائل التحذير، لقد فقدوا ثمرة ما عملوا له كل حياتهم وذكرياتهم، اختفت منازلهم في دقائق.

لقد شعرت بكل شيء: الاهتزازات، الأصوات، الحقيقية وتلك المتخيلة التي نسجها عقلي. وصلتُ إلى مرحلة لم أعد أميّز فيها بين ما هو حقيقي وما هو في رأسي فقط. أردت من عقلي أن يساعدني على الهروب، لكنني كنت عالقة داخله بالكامل. من المأسوي أنني ما زلت أستطيع أن أرى وأشعر بكل ذلك حتى وأنا أكتب الآن.

ألمُ هذا البلد لا مثيل له. يشبه إنسانًا لديه الكثير من الأصدقاء الرائعين، لكن لا أحد يهتم به حقًا. ينخرط دائمًا في علاقات سامة مع حكومته التي لا يستطيع الانفصال عنها، والارتباط غير الصحي إياه بينه وبين شعبه الذي يبذل جهده لمساعدته، لكنه لا يشعر أن جهوده كافية، لأنه لم يكن يومًا أولوية هذا البلد. ومن المحزن أنه، رغم أن حب الناس لوطنهم غير مشروط، فإنهم لم يمتلكوا السيطرة الحقيقية عليه.

من المؤلم أن نرى التراجع المستمر في لبنان، وفقدان الجدية والثقة بالحكومة. لا يوجد حتى كتاب تاريخ يُدرّس في المدارس. منذ عام ١٩٨٩ إلى اليوم، لا يزال اتفاق الطائف مجرد وثيقة تاريخية مكتوبة، لا تُترجَم إلى واقع. لم أعرف إن كان عليّ أن أضحك أو أبكي حين سمعت سياسيًا يقول قبل أسابيع: "يجب أن نطبق اتفاق الطائف." الآن؟ بعد أكثر من ثلاثين سنة؟ بعد كل هذا العذاب المستمر لشعب أحب بلده؟ كيف لدولة أن تعامل شعبها بهذا الشكل؟ هل هذا التجاهل هو ما يستحقه الشعب وهو الركيزة الأساسية لقيامها؟

إلى أولئك الذين ما زالوا يتنفسون غبار حرب الأمس،
إلى القلوب المثقلة بصدى الصمت والأحلام الضائعة،
اسمحوا للجروح أن تتكلم بلا كلمات،
ودعوا حكاياتكم تجري مثل العروق بين عظامكم،
ولنكن متعاطفين، متمسكين بإيماننا،
لأجل الذين فقدناهم، والذين سنظل نحبهم ونقدّرهم،
في قلوبنا سيبقى حب هذا الوطن حيًا،
وبكل ما تبقى فينا، سنظل ندافع عنه.


تأمل لإليسا بياجيني في إطار مشروع «تأملات الشباب حول العنف في لبنان (١٩٧٥–٢٠٢٥): مراجعة نقديّة للعنف والشباب في لبنان»


في النهاية لم يكن كل شيء في رأسي فقط
SHARE