كانت صِلتي بالذاكرة، المصالحة وبناء السلام شخصية جدًا في بدايتها. في الجامعة، تمسّكت بقوة برواية واحدة عن الحرب، تلك التي ورثتهُا عن عائلتي ومجتمعي وانتمائي السياسي. منحتني هذه الرواية يقينًا، منحتني هوية. لكن سرعان ما انكشفت أمامي طرق مختلفة لرؤية الماضي. من خلال انخراطي في العمل الاجتماعي ومشاريع عابرة للطوائف، التقيت أقرانًا حملت قصصهم ما يهزّ روايتي الخاصة. اصطدمت حقائقهم بما آمنتُ به دومًا. حينها بدأت أطرح أسئلة عن جذور هويتي ومعتقداتي السياسية.
لم تكن هذه اليقظة سلميًة. كانت مؤلمًة، مربكًة، ومسبِّبة للوحدة. ومع كل تجرؤ على عبور الحدود الوهمية التي ما زالت تقسّمنا – حدود الذاكرة، الولاء والخوف – كنت أواجَه بمقاومة. فقدتُ صداقات. اتُّهمت بأني أصبحت غريبة بأفكار خطرة، وربما حتى سامة. فضولي الذي كان يُحتفى به يومًا، صار يُنظر إليه كتهديد. صرتُ "مبالغة" عند البعض، و"ضعيفة" عند آخرين. وحتى أنا، في لحظات كثيرة، تساءلت: لماذا أفعل هذا؟
لكن كلما استمعت أكثر، أدركت هشاشة فهمنا لماهية الحقيقة. بدأت أجمع فسيفساء من القصص، شظايا ذاكرة متناثرة عبر المشهد اللبناني. كل لقاء، مؤلمًا كان أم مبهجًا، أضاف قطعة جديدة. شيئًا فشيئًا، أيقنت أن الحقيقة ليست واحدة. إنها طبقات متشابكة، متناقضة، ومزعجة أحيانًا. لكن في هذه التوترات قد تبدأ عملية الشفاء.
واحدة من أصعب الحقائق التي كان عليّ تقبّلها هي العنف النفسي الحاضر حتى اليوم. هذا العنف ليس جسديًا، بل أكثر مكرًا وخفاء. يتجلّى في الإقصاء، الصمت، السخرية، وفي العار. يظهر حين يحاول أحدهم التعبير عن وجهة نظر مختلفة فيُوصم فورًا بالخيانة. يتجلّى حين نُربّى على الطاعة بدل السؤال، على الامتثال لا التفكير، على عدم تجاوز الخطوط التي رُسمت قبل أن نولد بزمن.
بالكثير من المعاني، نحن ما زلنا في حرب؛ داخل أنفسنا ومع بعضنا البعض.
أعرف أنَّ الاستقطاب السياسي بين اليمين واليسار اليوم ليس حكرًا على لبنان. في العالم كله، تتشكّل صراعات جديدة تُغذّيها الأخبار المضلّلة وحقائق متنافسة تخدم كل منها أجندة مختلفة. كلا، لسنا الضحايا الوحيدة. كثير من الشباب حول العالم يعانون. لكن ما يجعل وضع لبنان مؤذياً على وجه الخصوص هو أننا لم نبرأ بعد من حربنا الخاصة. تلك الذاكرة غير المشفية تركت أجيال الحرب وما بعدها أمام تطور عنيف: ميل إلى إلغاء الآخرين، إلى رفض آرائهم وآلامهم ومعاناتهم. وهذا أيضًا عنف.
فهمت اليوم أنَّ المصالحة ليست فقط عن وحدة وطنية أو اتفاقات سياسية. إنها عن إيجاد مساحة للمعقّد والمتناقض. إنها عن السماح للآخرين بالوجود في ذاكرتنا حتى لو تحدّت حقائقُهم رواياتنا. إنها الاعتراف بوجود جروح لم نتسبّب بها، لكننا نحملها. جروح ورثناها بالصمت.
لا أكتب هذه السطور لأن لدي إجابات، بل لأن لدي أسئلة. أسئلة عن مَن يملك حق الانتماء في هذا البلد. عن مَن يعرِّف تاريخنا. عن إمكان بناء مواطََنة لا تقوم على الخوف ولا على النسيان.
أؤمن أنَّ الشباب قادرون على قيادة هذا التحوّل، إذا مُنحوا المساحة ليشعروا، يعبّروا ويتذكّروا بلا خوف. لكننا اليوم كثيرًا ما نُطالَب بأن نكون محايدين، لا سياسيين ومنفصلين. حتى حين نشهد ظلمًا، يُطلب منّا التزام الصمت «حفاظًا على السلام». لكن سلامًا بلا عدالة ليس سوى شكل آخر من أشكال القمع. الصمت ليس حيادًا. إنه تواطؤ.
لا أدّعي أنني تجاوزت تحيّزاتي أو آلامي. ما زلت أحمل ثقل خلفيتي. ما زلت أعاني في التوفيق بين حبّي لمجتمعي والضرر الذي تسببه رواياته، خاصة تجاه الشباب الذين لا يتبنونها. حتى داخل طائفة دينية واحدة، هناك انقسامات عشائرية، عائلية وأيديولوجية. ومن يجرؤون على معارضة السردية السائدة يواجهون بدورهم آليات الصمت نفسها. الدائرة تعيد نفسها.
لكنني أحاول. أستمع. وأتعلّم.وربما هذا ما يحتاجه البلد: المزيد من الأشخاص المستعدين للإصغاء. المزيد من المساحات التي تسمح للشباب بمصارعة ذاكرتهم دون عقاب. المزيد من الشجاعة للقول: «لا أعرف كل شيء»، وأن نجلس مع هذا اللا-يقين.
في النهاية، كل ما أريده حقًا هو أن أنتمي—إلى لبنان، إلى مجتمع الباحثين عن الحقيقة، إلى مستقبل لا يُستبعَد فيه أحد لمجرد التجرؤ على السؤال: «هل هناك طريقة أخرى للتذكّر؟»
هل هذا كثير؟
تأمل لغوى الفخري في إطار مشروع «تأملات الشباب حول العنف في لبنان (١٩٧٥–٢٠٢٥): مراجعة نقديّة للعنف والشباب في لبنان»