«حين تتحوّل الذاكرة إلى عقيدة» إصدار للسينمائي والفنان والأرشيفي أيمن نحلة، يتناول العلاقة المعقّدة بين الأرشيف و«المتحفة» والذاكرة والسلطة في جنوب لبنان، أو جبل عامل بتسميته التاريخية. ينطلق النص من تصورٍ للأرشيف لا بوصفه مستودعًا للأشياء المنتهية، بل فضاءً تتجاور فيه بقايا الحياة مع الأصوات والصور والرسائل التي لم تجد طريقها إلى السرديات الرسمية. فالوثيقة لا تستعيد الماضي كما كان، لكنها تترك نافذة مفتوحة عليه، تسمح للوجوه المنسية والبيوت المهدّمة والتجارب المهمّشة بأن تطالب بحقها في الظهور والقراءة.
يربط الإصدار هذا السؤال بتاريخ الجنوب اللبناني، بما شهده من تهميش اقتصادي وتحولات اجتماعية وهجرة واحتلال وحروب ومقاومات ونزوح ودمار متكرر. وفي هذا السياق، لا تعود الذاكرة شأنًا ثقافيًا منفصلًا، بل تصبح جزءًا من الصراع على الأرض والبيت والهوية وحقّ الجماعات والأفراد في تمثيل تجاربهم. كما يضع النص هذه الإشكالية ضمن السياق اللبناني الأوسع، حيث أدّى غياب سياسة عامة متماسكة للأرشيف، وضعف المؤسسات المستقلة، واستمرار الانقسامات السياسية والطائفية، إلى توزيع الذاكرة بين الأحزاب والعائلات والجمعيات والمبادرات الفردية، وإخضاعها لمن يملك القدرة على الجمع والتمويل والتصنيف والعرض.
ويقدّم النص مفهوم «المتحفة» بوصفه عملية مؤسساتية تنتج سردية عن الماضي، لا مجرّد نقل مقتنيات إلى مبنى أو عرض صور وشهادات داخل واجهات. فكل عملية جمع وفهرسة وترميم واختيار وعرض تعيد تحديد قيمة الوثيقة ومكانتها، وتقرّر ما يظهر وما يبقى خارج الصورة، ومن يتحوّل إلى ضحية أو بطل، ومن يُمحى من الرواية. ومن هنا يصبح السؤال عن «المتحفة» سؤالًا عن المعرفة والسلطة: من يختار؟ من يسمّي؟ من يضع معايير القيمة؟ ومن يحوّل تجربة عائلية أو حزبية أو طائفية إلى ذاكرة عامة تتحدث باسم المجتمع والمكان؟
ويحذّر الإصدار من وقوع الذاكرة الجنوبية بين نموذجين مغلقين: ذاكرة شعبية تتداول حكايتها داخل حدودها من دون أن تتمكّن دائمًا من تحويلها إلى معرفة تاريخية عامة، وذاكرة عقائدية تبنيها مؤسسات مرتبطة بمراكز القوة والنفوذ، فتتحوّل من مساحة للأسئلة إلى جهاز لإنتاج الشرعية. وبين الانغلاق الداخلي والسيطرة الأيديولوجية، يضيع ما يفترض أن يكون جوهر الأرشيف: التعدّد، والتناقض، وعدم اليقين، والحق الدائم في إعادة القراءة.
ويتوسّع النص لاحقًا في مناقشة نماذج الذاكرة وحدود استنساخها، وعلاقة السرديات اللبنانية بموقعي الضحية والجلاد، وكيف يمكن للمكان الواحد أن يحمل ذاكرات متراكمة ومتعارضة عن الاحتلال والمقاومة والتهجير والاقتتال والحضور الفلسطيني والحياة اليومية. كما يتناول العلاقة بين الحرب والتراث و«حمّى الذاكرة»، وصولًا إلى السؤال المركزي الذي يظل مفتوحًا طوال الإصدار: مَن يملك حقّ الكلام باسم الذاكرة؟