يُشكِّل القتل المستهدف للمدافعين عن حقوق الإنسان من قبل جهات غير حكومية ظاهرة عالمية، في ظل تضييق متزايد المجتمعات المدنية. باتت تلك الجرائم أداة يستخدمها الجناة للتخلص من المنتقدين والمعارضين المفترضين لأيديولوجياتهم أو لمصالح اقتصادية و/أو سياسية. ويساهم الإفلات من العقاب على هذه الجرائم في خنق المعارضة السلمية وانخراط المجتمع المدني، وإسكات أشكال المعارضة السياسية أو الاقتصادية، وإخماد النقاشات العامّة المتنوعّة الرؤى. فما هو دور السلطات الرسمية في منع هذه الأنواع من الجرائم ومكافحتها؟ وكيف يمكن لآليات وأدوات الأمم المتحدة، كمجلس حقوق الإنسان، التعامل مع هذه القضية؟
لمناقشة هذه الأسئلة والاستفادة من دراسات الحالة في لبنان وكولومبيا، تدعوكم مؤسسة «أمم للتوثيق والأبحاث»، ومؤسسة لقمان سليم، ومركز النزاع والتنمية وبناء السلام (CCDP) في المعهد العالي للدراسات الدولية والتنموية، تلك الفعالية الجانبية خلال الدورة الحادية والخمسين لمجلس حقوق الإنسان، والتي يتم تنظيمها برعاية مشتركة من البعثات الدائمة لألمانيا وفرنسا وأستراليا في جنيف.
كلمة ترحيبية للدكتورة أنيسا بلال، باحثة أولى في مركز النزاع والتنمية وبناء السلام في المعهد الدراسات العالي في جينيف.
• لبنان: نديم شحادة، المدير التنفيذي السابق لمكتب الجامعة اللبنانية الأميركية في نيويورك والمركز الأكاديمي، وزميل مشارك في شاتام هاوس.• كولومبيا: خوان بابييه، باحث أول في قسم الأميركيّتين في «هيومن رايتس ووتش»، ومؤلف تقرير «غير محميين» (عبر رابط فيديو)، وشوشانا ليفي، قاضية معيّنة من قبل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في محكمة الاستئناف الفرنسية لقضايا اللجوء، والمسؤولة القانونية والميدانية السابقة في بعثة الأمم المتحدة للتحقق في كولومبيا.• الدكتور موريس تيدبال- بينز، المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالات الإعدام خارج القضاء أو بإجراءات موجزة أو تعسفية.• الدكتورة إيريكا هاربر، رئيسة قسم الأبحاث والدراسات السياساتية في أكاديمية جنيف.
يلي ذلك جلسة أسئلة وأجوبة مفتوحة.
إدارة الجلسة: فريتز شترايف، محامٍ دولي في القانون الجنائي وحقوق الإنسان، ومقدّم بودكاست.
في ٥ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٢، نظّمت «أمم للتوثيق والأبحاث» بالتعاون مع شركائها -مؤسسة لقمان سليم، دار الجديد، ومركز النزاع والتنمية وبناء السلام- ، فعالية جانبية للدورة الحادية والخمسين لمجلس حقوق الإنسان في المعهد العالي بجنيف. وقد حظي الحدث بدعم ورعاية البعثات الدائمة لألمانيا وفرنسا وأستراليا في جنيف.
تنظَّم هذه الفعالية نتيجةً لمسار من النقاشات بدأ مع اغتيال لقمان سليم، الكاتب والمحلل السياسي والمدافع عن حقوق الإنسان، والمؤسس الشريك لمؤسسة «أمم للتوثيق والأبحاث»، وذلك في جنوب لبنان في ٣ شباط/فبراير ٢٠٢١. وأظهرت النقاشات مع ناشطين ومحامين دوليّين أهمية معالجة مسألة الإفلات من العقاب في حالات التهديد والقتل التي تطال المدافعين عن حقوق الإنسان، وهي قضية لا تحظى بالاهتمام الكافي دولياً، لا علمًا أن هذه الجرائم غالبًا ما تُرتكبها جهات غير حكومية. كما أظهرت هذه النقاشات وجود أوجه تشابه بين حالتي لبنان وكولومبيا، وإمكانية الاستفادة من التجربة الكولومبية.
شارك في الحدث أكثر من ٨٠ شخصاً، توزّعوا بين الحضور المباشر والمشاركة عبر الإنترنت، وشملوا ممثِّلين عن الأمم المتحدة، وبعثات دبلوماسية، ومنظّمات دوليّة غير حكومية، وأكاديميين، ومدافعين عن حقوق الإنسان.
ضمّت الفعالية مجموعة من الخبراء الدوليين، حيث افتتحت الدكتورة أنيسا بلال الجلسة، وأدارها فريتز شترايف. وقدّم خوان بابييه وشوشانا ليفي تحليلاً للحالة الكولومبية، بينما تناول نديم شحادة الوضع في لبنان. وشارك الدكتور موريس تيدبال-بينز بخبرته في مجالات الطب الشرعي وحقوق الإنسان، وقدّمت الدكتورة إيريكا هاربر قراءة تحليليّة ضمن سياق عالمي وتاريخي.
سلّطت النقاشات الضوء على تعقيد مفهوم «الجهات غير الحكومية»، لعدم وجود تعريف واضح له في القانون الدولي، ما يعرقل فهم الظاهرة ومقاربتها. كما أكَّدت أهمية الجمع بين الخبرة البحثيّة والتطبيقيّة.
في الحالة الكولومبية، تبيّن أن البلاد تسجّل من أعلى معدّلات قتل الناشطين في عن حقوق الإنسان. فمنذ توقيع اتفاق السلام عام ٢٠١٦، قُتل نحو ٥٠٠ ناشط. ويرتبط ذلك بصراعات على تجارة المخدرات والتنقيب غير القانوني عن المعادن، إضافة إلى ضعف سيطرة الدولة، ما دفع الناشطين لتأدية أدوارٍ بديلة للدولة فأصبحوا أهدافاً.
كما تمّت مناقشة السياسات الكولومبية لحماية المدافعين، والتي شملت إجراءات أمنية فردية وجماعية. ورغم شموليتها، واجهت صعوبات في التنفيذ. كما جرى التطرق إلى نظام العدالة الانتقالية، الذي اتسم بالشفافية، وكشف أنماط عنف مثل «الإيجابيات الكاذبة» (قتل مدنيّين وتقديمهم كمقاتلين).
وفي لبنان، تمّ إبراز تعقيد العلاقة بين الدولة والجهات غير الحكومية، خصوصاً مع دور حزب الله. وقد أدى اغتيال لقمان سليم إلى خلق مناخ من الخوف، وأسهم في إسكات الأصوات المعارضة وإبعاد الجهات المانحة. كما أُشير إلى دور الفساد وضعف الأطر القانونية، وإلى محدودية تأثير المحكمة الخاصة بلبنان.
على المستوى الدولي، شدّد المشاركون على مسؤولية الدولة في حماية الحق في الحياة والتحقيق في انتهاكاته من قبل الفاعلين غير الحكوميين. وتمّت الإشارة إلى بروتوكول مينيسوتا كمعيار للتحقيق. كما تم ربط استهداف المدافعين بتآكل الثقة الاجتماعية.
ركّزت مداخلات الجمهور على غياب إطار قانوني دولي واضح للتعامل مع الجهات غير الحكومية، وعلى ضرورة تحديد مفهوم «الناشط في الدفاع عن حقوق الإنسان». كما طُرحت إشكالية رفض نتائج تقارير حقوق الإنسان في بعض السياقات.
في الخلاصة، اعتُبرت كولومبيا نموذجاً يمكن الاستفادة منه، خاصة من حيث دعم المجتمع الدولي، وطول مسار السلام، وتراجع قوّة الجهات المسلَّحة غير الحكومية. ومن بين التوصيات: تعزيز قدرات التحقيق وفق المعايير الدولية، والنظر في تطبيق الولاية القضائية العالمية في حالة لبنان. كما تم التأكيد على أهمية تنظيم ورشة وطنية في لبنان لتطوير نظام طب شرعي يضمن التحقيق الفعّال في الوفيات غير القانونية.